عبد الله بن قدامه
14
كتاب التوابين
فأقبل ما لا يحصى عددهم على ألوان شتى ، ألوانهم كلهب النار ، لهم بالتسبيح والتهليل زجل . فاشتد فزع موسى عليه السلام وساء ظنه ويئس من الحياة . فقال له رأس الملائكة : يا ابن عمران ! اصبر حتى ترى ما لا تصبر عليه . ثم أوحى الله تعالى إلى ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا إلى موسى بالتسبيح ، فهبطوا ، ألوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثلج ، لهم أصوات عالية بالتسبيح والتقديس لا تشبه أصوات الذين مروا به . فقال له رأس الملائكة : يا موسى ! اصبر على ما سألت . فكذلك أهل كل سماء إلى السماء السابعة ينزلون إليه بألوان مختلفة وأبدان مختلفة ، وأقبلت ملائكة يخطف نورهم الأبصار ومعهم حراب ، الحربة كالنخلة الطويلة العظيمة كأنها نار أشد ضوءا من الشمس . وموسى عليه السلام يبكي رافعا صوته يقول : يا رب ! اذكرني ولا تنسني أنا عبدك ، ما أظن أن أنجو مما أنا فيه ، إن خرجت احترقت ، وإن مكثت مت . قال له رأس الملائكة قد أوشكت أن تمتلئ خوفا وينخلع قلبك ، هذا الذي جلست لتنظر إليه . قال : ونزل جبريل وميكائيل وإسرافيل ومن في سبع سماوات وحملة العرش والكرسي وأقبلوا عليه يقولون : يا خاطئ ابن الخاطئ ! ما الذي رقاك إلى هاهنا ! وكيف اجترأت أن تسأل ربك أن تنظر إليه ؟ وموسى عليه السلام يبكي وقد اصطكت ركبتاه